فقه الفتوى
مشاهدات[397]
موقع سماحة الشيخ بن جبرين-رحمه الله.. فقه الفتوى

الحمد لله وحده .. والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ..

                                   وبعد ..

فعلى المفتي أن يجهر بالحق الذي يعرفه، ويلتزم القول بالصواب، ولا يحيد عنه محاباة أو تساهلا، أو مراعاة لبعض الأشخاص؛ وذلك لأنه يخبر عن الحكم الشرعي فعليه أن يصدع بالحق، ولا يخاف في الله لومة لائم، وقد جاء في الحديث عن أبي ذر رضي الله عنه قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع .. وفيه: "وأمرني أن أقول الحق، وإن كان مُرّا، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم"، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أُفْتِي بفتيا غير ثبت، فإنما إثمه على من أفتاه". وقد توعّد الله تعالى الذين يكتمون العلم الذين يعلمونه، ويقولون بغيره بقوله: "أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ"، ثم استثنى الذين تابوا، وأصلحوا، وبيّنوا. فمتى سُئل العالم عن حكم شرعي يعلمه، فأفتى بخلاف الحق، وعدل عن الصواب وتأوّل الأدلة، وتشبث بالشبهات، والتعليلات الوهمية، فقد دخل في الوعيد لمن كتم العلم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من سُئل عن علم، فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار".

ومتى كان هناك نص صريح، ودليل صحيح واضح الدلالة؛ فإن المفتي يلتزم به إذا سلم من المعارض، ولا يجوز للعالم أن يحيد عن الدليل، ويعدل عن الحق الذي يعلمه، مراعاة لشخص، أو حال من الأحوال. ولا شك أن حال الناس وتغير سيرهم لا يكون مبررًا للعدول عن الدليل، وسلوك التأويل والتعليل فمن أفتى بما لا يجوز نظرًا إلى واقع الناس، وتغير الأحوال، وحدوث التجدد والتقدم ونحو ذلك فقد أخطأ، وعدل عن الصواب. فالأدلة لا يجوز تأويلها؛ لصراحتها، والحق يجب العمل به، وإن عدل عنه أكثر الناس، ولا عبرة بمن تساهل، وخالف الأدلة. وقد ضلّ من حمّل النصوص ما لا تحتمله، وتكلف في صرف دلالتها، حتى توافق ما يميل إليه؛ لإرضاء الجماهير من الشعوب، وليكون موقرًا محترمًا، مقبول القول عند الأمة بصفته يسهّل على الناس، ويقرهم على المخالفات التي يهوونها.

وإن الاختلاف الواقع بين الأئمة الأربعة -رحمهم الله تعالى- سببه الاجتهاد في الوقائع، والحوادث فيفتي العالم بما ظهر له، ويغيب عنه الدليل في تلك الحال، أو لا يكون في المسألة نص، أو يوجد في الباب أحاديث بينها شبه تخالف، فقد ذهب مالك إلى أن المصلي لا يقرأ البسملة سرًا، ولا جهرا، وقال الإمام أحمد يقرءوها سرًا، وعند الشافعي الجهر بها، ولكل منهم أدلته، واجتهاده، وقد ثبت عن كل واحد منهم الرجوع إلى الحق بقوله: "إذا صح الحديث، فهو مذهبي"، ونهوا عن تقليدهم إذا اتضح أن الدليل مخالف لأقوالهم، وقد كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رسالة بعنوان (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) بيّن فيها عذرهم، واعتذر عن بعضهم في مخالفته لشيء من الأدلة. ولكن أتباعهم من المتأخرين تعصبوا في التزام المذهب، والتمسك بما نص عليه متبوعهم، مع وضوح الأدلة المخالفة لهم، وتكلفوا بتأويل النصوص، ورد دلالتها، فهم غير معذورين. وكان الواجب عليهم قبول الحق والعمل به، والاعتذار عن إمامهم الذي لم يبلغه الدليل، فاجتهد برأيه، وله أجر الاجتهاد، وخطؤه مغفور، ولا يسوغ اتباعه فيه. فإن كان الاختلاف في هذا الزمان في المسائل الاجتهادية، فكل منهم له اجتهاده: كما في زكاة الحلي المستعمل، والقراءة خلف الإمام، وحكم المسح على الجوارب، وطواف الوداع للعمرة، والإفطار بالحجامة، وعلة ربا الفضل، وخيار المجلس، والولاية في النكاح، وحكم طلاق البدعة، وما أشبه ذلك. وإن كان الخلاف في المسائل المستجدة، فنرى عدم التساهل فيها: كالتقريب بين الأديان، وموالاة المبتدعة، والتشبه بالكفار في الأقوال والأعمال، وإباحة الاختلاط، والحكم بالقوانين الوضعية، والتساهل في إقامة الحدود، فلا يجوز العمل بفتوى من أباح شيئًا من ذلك بعذر فقه الواقع أي: مجاراة الناس، والتنزل على رغباتهم، والترخيص لهم فيما يهوونه مما هم عليه، ولو خالف النصوص. وهكذا يعلل الذين يتساهلون في إباحة الكثير من المحرمات، والتهاون بها معتذرين بأن في المنع منها تشديد، وتنفير عن قبول تعاليم الإسلام، وليس هذا بصحيح؛ فإن نصوص الشرع صالحة لكل زمان ومكان، فلا يجوز إبطالها لهذه المبررات الوهمية.