الرؤى والأحلام وحديث النفس
مشاهدات[400]
موقع سماحة الشيخ بن جبرين-رحمه الله.. الرؤى والأحلام وحديث النفس

الحمد لله رب العالمين قيوم السموات والأرضين، مدبر الخلائق أجمعين، وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين، نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ..

                                      وبعد ،

فقد كثر في هذه الأزمنة السؤال والاستفسار عن تعبير الأحلام، وتواصل الاتصال لقائيا وهاتفيا للبحث عن تفسير ما يراه الرائي في المنام، واعتقد هؤلاء أن كل حلم أو تخيل فلا بد له من تعبير، سيما وقد يتكرر مراراً على الإنسان فيظنه حقاً واقعياً، وغالب الأحلام لكثير من الناس تكون حديث نفس، فالإنسان في اليقظة إذا اهتم بأمر وحدث نفسه به، وجال في خاطره تصور له في المنام، وخيل إليه ذلك الأمر أو ما يقرب منه. وقد عرف بعض العلماء الرؤيا بأنها إدراكات علقها الله تعالى في قلب العبد على يدي ملك أو شيطان؛ فالله تعالى يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، فإذا خلقها فكأنه جعلها علما على أمور أخرى يخلقها في ثاني الحال، فتلك الاعتقادات تقع تارة بحضرة الملك فيقع بعدها ما يسر، أو بحضرة الشيطان فيقع بعدها ما يضر، وذكر بعضهم أن روح النائم تخرج منه خروجاً جزئياً، وأنها إذا رأت بعض تلك التخيلات أخبرت القلب فيصبح وقد تذكر أنه رأى كذا وكذا، فتارة تكون من الملك وحينا تكون من الشيطان، وقد روى البخاري عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رأى أحكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ بالله من شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره".

  فالرؤيا الصالحة تكون عندما يتنزه القلب والنفس عن الرذائل والغفلات، فإن لم يتنزه فهي غير صالحة، ثم إن التعبير للرؤيا يحصل لمن رزقه الله فهما وذكاء وفكرا ثاقباً في حال الرائي، والمرئي، والرؤيا، فتارة يعبرها بما يشبهها من القرآن كالنار بلا لهب بأكل مال اليتيم، ورؤية الحديد وأنواع السلاح تدل على القوة والنصر، وتارة تعبر الرؤيا بما جاء في الحديث والأثر كرؤية العتبة تفسر بالزوجة لقصة إبراهيم مع زوجة ابنه إسماعيل، وكالقميص يفسر بالدين، فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم عمر في المنام عليه قميص يجره ففسره بالدين، وكاللبن فسره لعمر رضي الله عنه بالعلم، ولما رأى بقرا تنحر فسرها بمن قتل من أصحابه، وذكر أن رجلاً جاء إلى ابن سيرين –رحمه الله- فقال: رأيت كأني أؤذن، فقال: تقطع يدك، أخذاً من قوله تعالى: (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ)، ثم جاءه آخر فقال: رأيت كأني أؤذن، فقال: سوف تحج، وأخذه من قوله تعالى: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) فالأول سيماه الشر والثاني فيه سيما الخير، وللعلماء الأولين والآخرين في التأويل عجائب وغرائب واقعية، حتى ليعجب السامع من قوة إدراكهم لذلك المعنى وقد ذكروا أن أصدق الرؤيا من أهل الصدق في اليقظة؛ فقد روى مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً"، وفي خطبة للنبي صلى الله عليه وسلم قال: "وشر الروايا روايا الكذوب".

 وقد ذكر الله في القرآن رؤيا يوسف وقول أبيه: (يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ) فقد عرفها يعقوب قبل وقوعها بعدة سنين، وهكذا ذكر تأويل يوسف عليه السلام لرؤيا صاحبي السجن، ولرؤيا الملك قبل وقوعها، وهو مما علمه الله تعالى من تأويل الأحاديث، وقد روى البخاري –رحمه الله- في كتاب التعبير (باب القيد في المنام) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب" ثم نقل بالإسناد عن ابن سيرين قال: "كان يقال: الرؤيا ثلاث: حديث النفس، وتخويف الشيطان، وبشرى من الله، فمن رأى شيئاً يكرهه فلا يقصه على أحد، وليقم فليصل"، وقد روى أحمد عن أبي سعيد مرفوعا "أصدق الرؤيا بالأسحار" ونقل ابن حجر في الفتح عن نصر بن يعقوب أن الرؤيا أول الليل يبطئ تأويلها، وأن أسرعها تأويلاً رؤيا السحر، وكذا رؤيا القيلولة، وقيل إن أصدق الأوقات في الرؤيا وقت انعقاد الأزهار وأضعفها في الشتاء، وقد كتب العلماء مؤلفات في التعبير، وتوسعوا في ذلك وأغلبها ظنية أو قياسية.

والواجب ألا يأخذ هذا الأمر مساحة كبيرة تشغل بال المسلم وتقعده عن مصالح دينه ودنياه، إنما يستأنس بالمبشرات ويستعيذ ربه ويتوكل عليه بيقين، والحمد لله رب العالمين ..