الصدقة في المشاريع الخيرية
مشاهدات[150]
موقع سماحة الشيخ بن جبرين-رحمه الله.. الصدقة في المشاريع الخيرية

الحمد لله رب العالمين .. والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..

                                   وبعد ..

   فالمشاريع الخيرية من أفضل القُربات؛ لأن العمل فيها يجري لمن أَنْفَقَ عليها بعد موته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، ولقد حرص الصحابة  رضي الله عنهم  على الإنفاق في دعم المشاريع الخيرية، وكانوا يتسابقون إلى بذل الأموال في الجهاد وفي الأسلحة التي يُقاتل بها العدو، ومنهم: خالد بن الوليد، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله"، وقد تسارع كثير من الصحابة إلى تحبيس كثير من المنازل والبساتين والإنفاق من غلتها في المشاريع الخيرية وأشهرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد ثبت عنه أنه أوقف أرضًا هي أعجبها إليه لما أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يُحبس أصلها ويُسبّل منفعتها، فجعلها في الفقراء والمساكين والضيف وأبناء السبيل ونحو ذلك. والوقف هو تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة، ويصح في العقار والمنقول كالمنازل والمساجد والدكاكين والبساتين، وكذا في الأسلحة والبهائم والسيارات والأواني والأكسية وما أشبهها إذا سُبلت على من ينتفع بها من المستحقين كان الأجر للذي وقفها مستمرًا ما دامت باقية، وفيها منفعة تجري لمن أوقفها. ويُشترط أن تكون العين مما يُنتفع بها مع بقائها كقدور للطبخ، وأواني للشرب، ويدخل في ذلك الأدوات الجديدة كالبرادات والمكيفات والمراوح والفُرش ومُكبرات الصوت والآلات الكاتبة والسُرر والكراسي والأحذية والأكسية. وكذا تسبيل الأشجار التي فيها ثمار تؤكل، وتسبيل الآبار والدِلاء والمضخات، وإجراء الأنهار وموارد المياه والحياض والْبِرَك التي تشرب منها الدواب والناس، وَيُتَطَهَّر منها للصلوات وما أشبه ذلك. ومن شروطه أن يكون على بِرٍّ، فلا يصح صرف الوقف على الكنائس والصوامع والحسينيات ونسخ التوراة والإنجيل وكتب الإلحاد وكتب البدع، ولا على عمارة المشاهد، وشد الرحال إلى المقابر، ولا على إسراج القبور وتشييدها ورفع البناء عليها، ولا على أماكن الأغاني والملاهي والمعاصي، لأن ذلك يُستعان به على معصية الله. وإذا كان الوقف على إنسان فلا بد أن يكون ممن يملك ويتصرف وينتفع، فلا يصح الوقف على الأموات ولا على الجن والشياطين ولا على الملائكة، ويصح الوقف على تجهيز الأموات، وحفر القبور، والتكفين والتحنيط وما أشبه ذلك.

   ونرى أهم المشاريع الخيرية بناء المساجد عند الحاجة إليها وهكذا حفر الآبار في البلاد التي تمس الحاجة فيها إلى تَوْفِير المياه، سواء للشرب أو لسقي الأشجار والبهائم. ومن المشاريع: فتح المستشفيات والمراكز الصحية في البلاد الفقيرة لعلاج المسلمين وتخفيف النفقات عليهم، وإذا استوت الحاجة في الداخل والخارج، قُدّمت حاجة الداخل لأهمية القريبين، وإذا استوت الحاجة في البلاد الخارجية قُدّم أهل البلد الذين يتوفر فيهم المعتقد السلفي والبُعد عن البدع والمحدثات، رجاء أن يتقووا على إظهار السُنة ومحاربة البدع. ونصيحتي للمحسنين من ذوي الأموال والثروات أن يسارعوا بالإنفاق في وجوه الخيرات، وأن يختاروا أفضل المشاريع سيما عند الحاجة الشديدة إلى عمارة المساجد وإلى إنقاذ الجهلة من الشركيات والبدع والمحدثات، وذلك بتزويد الدُعاة الذين يتنقلون في البلاد الإسلامية وغيرها وإمدادهم بالنفقة، وطبع الكُتب المفيدة للعامة والخاصة، وتسجيل الأشرطة مسموعة أو مرئية بأنواع اللغات التي يُحتاج إليها لمعالجة البدع والخرافات وإيضاح أعمال الإسلام، وواجبات المسلمين. وننصح القائمين على تلك المشاريع أن يبذلوا الجهد والوسع، وأن يخلصوا في عملهم ونياتهم، وأن يقصدوا الدار الآخرة، وأن يبعدوا كل من رأوا منه خيانة، أو استبدادًا أو تكاسلًا، وسيجدون غيره من الناصحين والمخلصين. وننصح أهل الإمساك بأن ينظروا في النتائج التي تترتب على البخل والإمساك، فإن الإنسان سيرحل من هذه الحياة، ولا ينفعه إلا ما قدم، "يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا"، وإذا مات الإنسان المسلم فإن الملائكة تقول: ماذا قدم؟ وإن الورثة يقولون: ماذا أخَّر؟ ولا ينفعه إلا ما قدمه لآخرته. وفي الحديث الصحيح: "يقول ابن آدم: مالي مالي!! وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت؟ أو لبست فأبليت؟ أو تصدقت فأمضيت؟ وما سوى ذلك فإنك ذاهب وتاركه !"، وإن هذه المكاسب، وهذه الأموال حلالها حساب، وحرامها عقاب. وفي الحديث: "لا تزول قدما عبد حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه"، ولا شك أنه إذا أنفق في وجوه الخير سيجد أجر ذلك عند الله مضاعفًا، كما قال تعالى: "مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ"، وقال تعالى: "إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ"، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن الصدقة لا تُنْقِص المال، فعلى من آتاهم الله من هذا المال أن يُسارعوا في الإنفاق في المشاريع الخيرية وعلى الضعفاء والمساكين؛ ليجدوا ذلك مضاعفًا عند الله.

 

                          والحمد لله رب العالمين ..