الدعوة إلى الله وظيفة الرسل وأتباعهم
مشاهدات[296]
موقع سماحة الشيخ بن جبرين-رحمه الله.. الدعوة إلى الله وظيفة الرسل وأتباعهم

الحمد لله رب العالمين .. والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..

                                   وبعد ..

   فالدعوة إلى الله هي وظيفة الرُسل ووظيفة أتباعهم ودليل ذلك قول الله تعالى:قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي)، والدعوة إلى الله هي الدعوة إلى دينه الذي هو الإسلام، إلى أصول هذا الدين وإلى ترسيخ العقيدة في القلوب وإلى الحرص على إرساء دعائم الإسلام في النفوس حيث إن الكثير من الناس قد يجهلون تعاليم الإسلام وأُسسه وقواعده ولو كانوا يتسمون بالإسلام، وحيث إن هُناك شواغل تعوقهم عن تعلم الأحكام والتفقه في العقائد، وهناك دعاة إلى الكُفر وإلى البدع وإلى المعاصي يدعون باسم التحرر وباسم ترفيه النفوس وتسليتها، وباسم التوسع في الملذات والمُشتهيات، وكثيرًا ما ينجر هؤلاء الجهلة مع أولئك المضللين حيث إن نفوسهم ضعيفة وإيمانهم مُتزعزع وتعتريهم الشكوك وتدفعهم الشهوات النفسية فينشغلون بها عن الواجبات فتفسد أو تضعف عقائدهم وينصرفون عن الخير ويتركون الواجبات ويتخلفون عن الصلوات ويقعون في المُسكرات والمُحرمات.

   فمثل هؤلاء بحاجة إلى من يُنقذهم من هذه المهالك والبلايا التي وقعوا في شباكها وادعوا أنهم قد حرروا أنفسهم وأنهم توسعوا في مُستلذاتهم وهم يحسبون أنهم على خير ويحتقرون كل من أنكر عليهم أو خالفهم، وحيث إن هذا الجنس موجودون في كثير من مُدن المملكة فنقول إنهم بحاجة إلى من يأخذ بأيديهم ويُنقذهم من هذه المهالك ويدلهم على سبيل النجاة حتى لا يكونوا وبالا على الأمة ويندمون حين لا ينفع الندم وتصير تلك العادات والمُعتقدات ديدنًا لهم تتملك على قلوبهم وعلى جوارحهم، فمتى حصل من يأخذ بأيديهم وينصحهم ويُحذرهم ويُنذرهم ويُخوفهم ويبين لهم الطريق السوي الذي متى سلكوه حصلت لهم السلامة والنجاة ودخلوا في الدين الصحيح الذي يجدون منه الحياة الطيبة والسعادة في الدُنيا والآخرة.

فنقول إن الدعوة إلى الله واجبة على كل من كان عنده قُدرة أو تمكن بحسب ما يستطيعه، فإن تمكن من السفر خارج مدينته نشر ما عنده من العلم ودعا إلى الله تعالى بقدر ما عنده من المعلومات، ومن لم يستطع الخروج لظرف من الظروف فإنه معذور وبإمكانه أن يدعو في بلدته؛ فهناك مجالات كثيرة للدعوة إلى الله تعالى.

   على طالب العلم أن ينصح ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، وهكذا في إمكانه أن يُلقي كلمات يسيرة بعد الصلوات يحث فيه على المواظبة على صلاة الجماعة وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى تربية الأبناء التربية السليمة، وعلى المسارعة إلى الخيرات والمسابقة إلى الجماعة، وفي إمكانه أن يتجول على المقاهي والمطاعم والفنادق والملاهي والاستراحات وما أشبهها التي تضم الكثير من العُصاة والمتهاونين بالطاعات، وفي إمكانه أن يُلقي كلمة توجيهية لعلها أن تُؤثر في بعض السامعين أو في جميعهم، وإذا قابلوه بالإنكار والرد عليه بيَّن لهم أنه قال ذلك ليخرج من عدة الكتمان وليُبلغ ما عنده، وبذلك يكون قد أنذر، ومن أنذر فقد أعذر.

أما إذا كان يحتاج إلى رحلة وسفر:

فأولامن لم يأذن له أبواه أو أحدهما ليس له أن يُسافر للدعوة إلا بإذنهما جميعًا، فإن أقنعهما وبيَّن لهما المصلحة التي تترتب على سفره للدعوة داخل المملكة أو خارجها، فحصلت منهما الموافقة فله ذلك، عليه في هذه الحال أن يُراسلهما ويُكلمهما ليطمئنا على صحته، وعليه أن يتقبل إرشاداتهما وأن يتقيَّد بما شرطاه، وألا يتسرع في ما لم يأذنا له فيه.

وثانيًاإذا كان موظفًا فله أن يأخذ الإجازة العادية ليُسافر للدعوة خارج المملكة أو داخلها كما أن له أن يتمتع بالإجازة الاضطرارية التي إذا لم يأخذها ذهبت عليه فيقضيها في الدعوة إلى الله خارج المملكة أو داخلها أو داخل مدينته، وله أجرٌ على هذه النية.

ثالثًامتى كان إمامًا أو مؤذنًا رسميًا في أحد المساجد فليس له السفر لأجل الدعوة إلا بإذن الوزارة وبعد أن يُكلف غيره بالإمامة فيُنيب من فيه الأهلية والأمانة ومن يرضاه جماعة المسجد ومن يثق بأنه سوف يقوم بالواجب فإذا فعل ذلك جاز له أن يُسافر للدعوة في هذه المُدة وله أجرٌ على قدر نيته.

ورابعًاإذا كان يترتب على سفره إهمال أولاده وأهله وإضاعتهم وتعريضهم للفساد أو ترك القيام بما يجب لهم عليه من النفقة ونحو ذلك فمثل هذا لا يجوز له أن يُسافر حتى يُوكّل على أهله من يُنفق عليهم ويقضي حاجاتهم مُدة غيبته ويتفقد أحوالهم، ويُتابع الأولاد ذكورًا وإناثًا، ويقوم برعايتهم وتأديبهم وتوجيههم والحرص على مصلحتهم، فمتى وجد من يقوم مقامه جاز له السفر لأجل الدعوة وإلا فرعاية أولاده أوجب عليه.

وخامسًايجوز لمن يُسافر للدعوة أن ينوي مع السفر للدعوة السياحة في الأرض والاطلاع على البلاد والاعتبار بما فيها من العجائب والآثار، فإن في ذلك موعظة وذكرى وآيات بينات، ولذلك يأمر الله تعالى بالسير في الأرض كما قال تعالى:) قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ)،) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) ونحوها من الآيات.

   ويُشترط للداعي أن يكون مُتقنًا لهذا الفن ولهذه المسائل التي يدعو إليها، عالما بأدلتها محسنا لعرضها وإيصالها دون تنفير للمدعوين ..

وأما عن ماذا يبدأ به الداعي فمتى كان عالمًا بالأحكام والحلال والحرام فإن عليه أن يبدأ بتقرير أمر العقيدة التي هي دين الإسلام ويدعو إلى معرفة الله ومعرفة حقوقه على عباده ويدعو إلى الاعتراف بالله تعالى ربًا وإلهًا ومعبودًا، ويُبين في دعوته وجوب الإخلاص له ويُبين أن دين الإسلام هو الدين الصحيح، وأن ما سواه من الأديان فإنها منسوخة وباطلة، ويُبرهن بذلك على ما فيها من الاختلاف والتهافت، فيبين أن المُسلمين عندهم القرآن الذي حفظه الله عن التغيير والتبديل، وأما النصارى فأناجيلهم مُتعددة وكل منهم يدَّعي أن الإنجيل الذي عنده هو الذي أُنزل على عيسى مع تخالفها واضطراب ما فيها مما يدل على أنها مُفتراة ليست هي التي أنزلت على عيسى، وهكذا التوراة التي بأيدي اليهود قد دخلها التحريف والزيادة والنقص وأُضيف إليها زيادات كبيرة وكتبوا كتبًا مُفتراة على موسى كالتلمود مع ما فيها من المُخالفات والاضطرابات.

   وهكذا أيضًا يبدأ بالأمر بالمواظبة على الصلوات في الجماعة؛ فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمُنكر ويُحذر من المعاصي الظاهرة، وعليه أن يتجنب الغلظة والشدة في الإنكار كالتكذيب والتضليل والتكفير، فلا يقول أنتم كذبة وأنتم مُخبَّلون وأنتم كُفار وفُساق ومُبتدعة ونحو ذلك مما ينفرون معه عن الإصغاء إلى النصيحة وعدم التقبل لها.

وأما سفر الدُعاة من سلف الأمة فإن هذا واقع كثيرًا، من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل مُعاذًا إلى اليمن فقال له: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله "وفي رواية: "إلى أن يوحدوا الله" وقد اهتدى بدعوته خلق كثير في تلك المناطق ثم بعث بعده عليًا رضي الله عنه للدعوة إلى الله فبقي هناك إلى أن وفد في حجة الوداع، ومهمته الدعوة والتعليم، وبعث عمَّار بن ياسر وأبا موسى الأشعري لما توسعت البلاد وكانوا بحاجة إلى من يُعلمهم ويدعوهم، وهكذا أيضًا كان الصحابة إذا أسلموا يبعثهم إلى قومهم دعاة إلى الله ومُعلمين لمن هداهم الله، فمنهم مالك بن الحويرث ومن معه لما قدموا في عشرين راكبًا أو نحوها لما تعلموا قال لهم: "ارجعوا إلى قومكم فعلموهم صلاة كذا في وقت كذا ... "إلى آخره.

ثم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم كان الخُلفاء يبعثون الدُعاة والمُعلمين؛ فقد أرسل عمر رضي الله عنه ـ إلى العراق عددًا من الصحابة كعبد الله بن مسعود والمُغيرة بن شعبة وجرير بن عبد الله وأبي موسى وهكذا أيضًا أرسل آخرين إلى الشام وكلهم وظيفتهم الدعوة إلى الله، ولما انتشر الإسلام صار كل من كان عنده علمٌ يُسافر إلى من يعلم أنهم بحاجة إلى العلم وإلى الدعوة فسافروا إلى مصر وإلى أفريقيا وإلى خُراسان وإلى الهند والسند وإلى البحرين وغيرها من البلاد فنشروا الإسلام وبيَّنوا السُنة وعلَّموا الأمة ما هم بحاجة إليه فقامت حجة الله على العباد.

 

والحمد لله رب العالمين ..