ليشهدوا منافع لهم
مشاهدات[369]
موقع سماحة الشيخ بن جبرين-رحمه الله.. ليشهدوا منافع لهم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ..

                                 وبعــد ..

فشعيرة الحج عظيمة مباركة، امتن الله بها على عباده .. وبين أن فيها من منافع الدين والدنيا ما لا يجتمع في عبادة غيرها ..
وإن من أعظم هذه المنافع تأثيره في صاحبه بعد رجوعه، وهذا من ثمرات الطاعة والأعمال الصالحة. من آثارها أنها تمنع صاحبها من المعاصي، وتُرَغِّبُهُ في القربات؛ قال الله تعالى عن الصلاة:  ( إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ).
وكذلك الصيام؛ جاء في حديثٍ: ( الصيام جُنَّةُ -أي: جنة أحدكم من المعاصي، كَجُنَّتِهِ من الحرب أو من السلاح- فإذا كان يَوْمُ صَوْمِ أحدِكُمْ فلا يَرْفُثْ، ولا يَفْسُقُ، ولا يَصْخَبْ، وإنْ امرؤ سَابَّهُ أو شَاتَمَهُ فليقل: إني صائم ) ؛ يعني أن الصيام الصحيح يمنع صاحبه من المعاصي. 
وهكذا الحج؛ يمنع صاحبه من المعاصي؛ لأنه عمل عملا خاصا، وتقرب به إلى ربه، وهذا العمل الخاصُّ لا بد أن يكون له أثر فَعَّال، أثر كبير في أنه يفيد صاحبه؛ فيرجع وقد أحب الطاعات، وكره المحرمات، وهذه أكبر فوائد الحج، أن صاحبه إذا رجع حُبِّبَتْ إليه العبادات، فَيُحَبَّبُ إليه ذكر الله؛ فتراه دائما يلهج بذكر الله، يعمل بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : ( لا يزال لسانك رَطْبًا من ذكر الله ) . 
وذكر الله: كل شيء يذكِّر بالله؛ تسبيح، وتحميد، وتكبير، وتهليل، ودعاء، واستغفار، وتلاوة، ودعوة إلى الله، ودعوة إلى الخير، فكل ذلك مما يحبه الله تعالى، وهذا ما يدعو إليه هذا العمل الصالح. 
وتراه أيضا يُحِبُّ القرآن، ولا يَمَلُّ من قراءته؛ لأنه تَلَذَّذَ به، وتلذذ بمناجاة ربه، فتراه لا يمل قراءة القرآن في كل الحالات. 
وتراه أيضا يُحِبُّ الدعاء، يدعو الله في كل حالاته، يعمل بقول الله تعالى: ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً )، تَضَرُّعًا وخُفْيَةً: يعني سِرًّا. 
فهذا من منافع الحج أنه إذا رجع يكون دائما مُحِبًّا لدعاء الله وراغبا فيه، يعلم أن ربه يحب من دعاه؛ بل إنه يغضب على العبد الذي لا يدعوه، كما جاء في حديث: ( مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ )،  أخذ ذلك بعض الشعراء فقال: 

لا تَسْــأَلَنَّ بُنَـيَّ آدَمَ حاجــةً 

وسَـلِ الـذي أَبْوَابُـهُ لا تُحْجَـبُ 

الربُّ يَغْضَـبُ إنْ تَرَكْتَ سُؤَالَـهُ 

وبُنَـيّ آدمَ حـين يُسْأَلُ يَغْضَـبُ ! 

 

فالرب سبحانه يُحِبُّ من عباده أن يدعوه، وأن يسألوه جميع حاجاتهم، وهو الغني عن عباده، وعباده فقراء إليه: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ فالله غني ونحن فقراء. نحن الفقراء إلى الله، لا غِنى بنا عن ربنا طرفة عين. إذا سألنا الله توسلنا إليه بفقرنا وحاجتنا، وبغناه عن عباده، نقول: (  رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا ؛ رحمته واسعة، وأخبر بأنها قريب من المحسنين: ) إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ فنرجو رحمته ونخشى عذابه.

كذلك أيضا من فوائده: إذا رجع أنه يبغض إلى نفسه المعاصي، وينفر منها؛ لأنك تلذذت بالطاعة، تلذذت بالدعاء، وتلذذت بالطواف، وتلذذت بالسعي، وتلذذت بالوقوف في عرفة خاشعًا وخاضعًا، وتلذذت بِذِكْرِ الله تعالى وبتكبيره في هذه الأيام، فهذا التلذذ يُحَبِّبُ إليك الطاعة؛ فتكون جميع الطاعات لذيذة ومحبوبة، مُرَغَّبًا فيها
ومَنْ أَحَبَّ الطاعة وتَلَذَّذَ بها نَفَرَ أيضا من المعصية، كره المعصية وأبغضها ونفر منها، ونفر من أصحابها؛ ولو كانت لذيذة عند النفس، وهذه كلها من معاني الحج المبرور الذي ليس جزاء إلا الجنة.

نسأل الله أن يتقبل من الحجيج حجهم وأن يبلغهم الرضوان .. إنه كريم منان ..