تعريفه

قوله: [وأقسام الماء ثلاثة، أحدها طهور وهو الباقي على خلقته] التي خُلق عليها، سواءٌ نبع من الأرض، أو نزل من السماء على أي لون كان. [يرفع الحدث، ويزيل الخبث] لقوله تعالى: { وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ } وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- { اللهم طهرني بالماء والثلج والبرد } متفق عليه روه البخاري (1\ 192) ومسلم (2\ 47). وقوله في البحر: { هو الطهور ماؤه الحل ميتته } رواه الخمسة، وصححه الترمذي صحيح: رواه مالك في الموطأ (1\ 22 رقم 12) وأحمد (2\ 237 و 393) والأربعة. . الشرح: الطَّهور بفتح الطاء على وزن فَعُول، وفَعول اسمٌ لما يُفْعل به الشيء، فالطَّهور بالفتح اسم لما يُتَطهر به، والسَّحور بالفتح اسمٌ للذي يُتَسحر به. وأما طُهُور بالضم، فهو الفعل، فالطَّهور هو الماء الذي يُتَطهر به، والطُّهور هو فعل الطهارة، يُقال: توضأت بماء طَهور بفتح الطاء، ويقال: طُهُورك مجزئ بضم الطاء. وهذا الذي ذكره المصنف من تقسيم المياه إلى ثلاثة أقسام طهور، وطاهر، ونجس، هو الذي مشى عليه أكثر الفقهاء، والطَّهور عندهم هو الذي يرفع الأحداث، ويزيل الأخباث، ويستعمل في الطهارة من الحدث والنجاسات ونحوها، فهو طاهرٌ في نفسه مُطَهِّر لغيره. والماء الطاهر عندهم هو الذي يكون طاهرا في نفسه غير مطهر لغيره، فهو لا يرفع الأحداث أو يزيل الأخباث. والماء النجس- عندهم- هو ما تغير لونه أو طعمه أو رائحته بنجاسة، أو لاقى تلك النجاسة وهو يسير، قال في المبدع: (بيان ذلك أن الماء لا يخلو إما أن يجوز الوضوء به أو لا، فإن جاز فهو الطهور، وإن لم يجز فلا يخلو إما أن يجوز شربه أو لا، فإن جاز فهو الطاهر، وإلا فهو نجس) "المبدع " (1\ 32). هذا هو تقسيم أكثر الفقهاء للماء، لكن اختار بعض المحققين- كشيخ الإسلام- أن الماء قسمان: طهور ونجس، والفرق بينهما هو التغير بالنجاسة، فما لم يتغير الماء بنجاسة فهو طَهور، وما تغير بها فهو نجس؛ لأنه لا دليل على تقسيمهم السابق، وأما أمثلتهم التي ذكروها في هذا الباب -كما سيأتي إن شاء الله- فقد حملوها على غير محملها. فالحاصل أن الماء إذا أطلق عليه هذا الاسم (ماء) فهو إما طهور، وإما نجس، أما إذا قُيِّدَ هذا الاسم فإنه لا يدخل في مسمى الآية { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } والمقيد هنا هو الذي يضاف إليه شيء آخر، كمياه العصيرات، والزعفران، والشاهي، والحبوب، والورود، ونحو ذلك، فهذه كلها مياه مقيدة، فلا تدخل في مسمى الماء المطلق، فهي غير واردة على تقسيمنا السابق للماء (طهور أو نجس). فالراجح إذًا أن الماء إما أن يكون طاهرا وهو الذي لم تتغير إحدى صفاته الثلاث (لونه، طعمه، رائحته) بنجاسة، وإما أن يتغير بالنجاسة فيكون حينئذ (نجسا)، وأما ما سوى ذلك فهو ماء مقيد حسبما أُضيف إليه فلا يدخل في تقسيمنا السابق. وقد شرع المؤلف بعد هذا في بيان القسم الأول من المياه وهو الطهور ، فذكر أنه (الباقي على خلقته) التي خلقه الله عليها، والمراد استمراره على الصفة التي كان عليها وقت ظهوره لنا، سواء كان نازلا من السماء كمياه الأمطار أو ما ذاب من الثلج والبرَد، أو كان خارجا من الأرض كمياه الأنهار والعيون والآبار والبحار، وسواء كان باردا أو حارا أو مالحا. فقوله: (الباقي على خلقته) أي: لم يُقَيد بوصف دون آخر، ولم يضف إلى اسم شيء غيره، كماء البقول أو الورد أو نحو ذلك -كما سبق-. والماء جوهر بسيط سيال بطبعه، وجمعه مياه، وهو جمع كثرة، أو أمواه، وهو جمع قِلَّة، والطهور قد عرفنا معناه. وهذا الماء الطهور هو الذي يرفع الحدث ويزيل الخبث؛ لأنه المقصود للشارع كما في قوله تعالى: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } وقوله -صلى الله عليه وسلم- { اللهم طهرني بالماء والثلج والبرد } . فقول المؤلف: (يرفع الحدث) أي: لا يَرْفع الحدث إلا الماء الطهور، وكل شيء سواه لا يرفع الحدث، ودليل هذا قوله -تعالى- في الآية السابقة { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا } فأمر -سبحانه- بالعدول إلى التيمم إذا لم نجد الماء، ولو وجدنا غيره من المائعات والسوائل، أما الماء المتغير فسيأتي تفصيل حكمه -إن شاء الله-. وقوله: (يزيل الخبث) أي أن النجس لا يزيله إلا الماء الطهور، ودليله قوله -صلى الله عليه وسلم- في دم الحيض يصيب الثوب: { تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه } رواه البخاري في الوضوء برقم (227)، ومسلم في الطهارة برقم (110)، وغيرهما، عن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما-. والشاهد قوله: (الماء) ، فهذا دليل على تعين الماء الطهور لإزالة النجاسة. ومن الأدلة على ذلك أيضا قوله -صلى الله عليه وسلم- في الأعرابي الذي بال في المسجد: { أريقوا على بوله سَجْلا من ماء } رواه البخاري في الوضوء برقم (220). ولما بال الصبي على حجره -صلى الله عليه وسلم- دعا بماء فأتبعه إياه رواه البخاري في الوضوء برقم (222) عن عائشة رضي الله عنها، ومسلم في الطهارة برقم (101). فدل هذا على أنه لا يزيل النجس إلا الماء. وذهب بعض العلماء -كشيخ الإسلام- وهو مذهب أبي حنيفة -رحمه الله- إلى أنه يجوز إزالة النجاسة بكل مائع طاهر مزيل للعين، والأثر، كالخل، وماء الورد، ونحوهما، قال شيخ الإسلام: (والصحيح أن النجاسة تزال بغير الماء، لكن لا يجوز استعمال الأطعمة والأشربة في إزالتها بغير حاجة؛ لما في ذلك من فساد الأموال، كما لا يجوز الاستنجاء بها) مختصر الفتاوى المصرية (ص 17). وحجة أصحاب هذا القول حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: { ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه فإذا أصابه شيء من دم قالت بريقها فمصعته بظفرها } رواه البخاري هو في صحيح البخاري، في الحيض عند، برقم (312). وقولها مصعته أي أذهبته. وعن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: { قلت: يا رسول الله، إني امرأة أُطيل ذيلي فأَجُرُّه على المكان القذر، فقال -صلى الله عليه وسلم- يطهره ما بعده } رواه أبو داود وغيره رواه أبو داود (رقم 383)، والترمذي، وابن ماجه، ومالك، وغيرهم. ومن أدلة أصحاب هذا القول أيضا حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: { إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصل فيها } رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح رواه أبو داود برقم (650) مطولا. . ومن الأدلة أيضا حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: { إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور } رواه أبو داود كما في سننه، كتاب الطهارة برقم (385) صح روى برقم (387) عن عائشة بمعناه، ولم يسق لفظه، وإسناده حسن (ج). قالوا: ولأن النجاسة عين تجب إزالتها للعبادة فجاز بغير الماء؛ ولأن الحكم يتعلق بعين النجاسة فزال بزوالها. والصواب في هذه المسألة جواز إزالة النجاسة بكل مائع طاهر مزيل للعين والأثر، وعدم جواز رفع الحدث، إلا بالماء؛ لأن المقصود في إزالة النجاسة إذهاب عينها وأثرها وذلك يحصل بغير الماء، ولما تقدم من الأدلة، وأما الحدث فيختلف عن النجاسة لكونه وصفا، وقد علَّق الشارع جواز رفع الحدث بالتراب عند عدم وجود الماء، فدل على أن غير الماء من المائعات لا يقوم مقامه في رفع الحدث، وذلك في قوله تعالى: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } وفي قوله -صلى الله عليه وسلم- { الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين } رواه أبو داود برقم (332) عن أبي ذر -رضي الله عنه-. .