رقم الفتوى (5318)               [ العودة لصفحة الفتاوى الرئيسية » ]
موضوع الفتوى حكم تفجير المباني التي فيها أجانب والذين دخلوا البلاد بأمان
السؤال س: فضيلة الشيخ: ما هو رأيكم فيما حصل من تفجيرات في مدينة الرياض ليلة الثلاثاء الماضي 12 \ 3 \ 1424 هـ، وتُوُفِّي على أثرها، وجُرِحَ العديد من الأبرياء؟ وهل تفجير المباني التي يسكنها الأبرياء الآمنون بِحُجَّةِ أنها ربما يكون فيها أجانب، هل هذا من الدين في شيء؟ وبماذا تُوَجِّهُون وتنصحون مَنِ اعتقد أنَّ مَنْ فعل مثل فِعْلِ هؤلاء هو من الجهاد؟ وهل الإثم والوزر الذي حصل مِنْ قتل الأبرياء؟

وهل يشترك فيه من استورد هذه المتفجرات، ومَنْ أعان على نقلها، أو تواطأ في تهريبها؟ ونريد منكم توضيحا وبيانا للشباب الذين غُرِّرَ بهم، والتبس عليهم الأمر، باعتقادهم أن الاعتداء على الأجانب هو من الجهاد، فنريد من فضيلتكم توضيح وبيان حديث النبي صلى الله عليه وسلم، الذي معناه: أن من آذى المستأمن لا يشم رائحة الجنة. وبِوُدِّنَا أن تُوَضِّحُوا، وتنصحوا شباب الأمة أنَّ الدعوة لغير المسلمين تكون بالرفق واللين، والكلمة الطيبة، وذلك لكي نكسبهم ونجعلهم يحبون هذا الدين، وبالتالي يُسْلِمُون نتيجة إعجابهم بأخلاق وتعامل المسلمين! وما هي الكلمة والنصيحة التي توجهونها لشباب الأمة كي يستفيدوا من وقت فراغهم فيما يعود عليهم بالنفع، وعلى أمتهم بالخير، ويبتعدوا عن أصحاب الأفكار الضالة والهدَّامة؟

الاجابـــة أَكَّدَ الله الوفاء بالعهد، في مثل قوله تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا وقوله تعالى: وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا وقوله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ والعهد هو: أن يَتَعَهَّد المسلم، أو المسلمون لغيرهم من مسلمين أو كفار على عدم الحرب، وعدم القتل. وقد ذكر العلماء أن الكفار لهم مع المؤمنين أربع حالات:

الأولى: أن يكونوا من أهل الذمة إذا بذلوا الجزية.

والثانية: أن يكون له عهد، كما عاهد النبي صلى الله عليه وسلم قريشًا.

الثالثة: أن يدخلوا بأمان، لقول الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ .

الرابعة: المحاربون، فَيَصِحُّ الأمان للكافر، ويكون الذي يُؤَمِّنُهُ من المسلمين، حتى ولو امرأة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: قد أَجَرْنَا مَنْ أجرتِ يا أم هانئ وقوله: المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم والذمة هي العهد. فإذا دخل بلادَ المسلمين أحدٌ من المشركين بأمان من الدولة، أو بأمان من أحد الأفراد، سواء دخل لحاجة المسلمين، كالعمال والعاملين، أو دخل لحاجته هو، فإنه يجب على أفراد المسلمين ألا يغدروا به، فإن الغدر من صفات المنافقين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم وإذا عاهد غدر وقد شهد الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يغدر، وقد أمره الله تعالى بالوفاء للذين عاهدوا، كما في قوله تعالى إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ وقد أَكَّدَ النبي صلى الله عليه وسلم على المؤمنين احترام أهل العهد حتى قال: من قتل مُعَاهَدًا لم يَرَحْ رائحة الجنة وسواء كان هؤلاء المعاهدون من اليهود أو النصارى أو غيرهم من أصناف الكفار، فإنه يجب الوفاء لهم، وعدم إيذائهم، حتى يصلوا إلى بلادهم.

وما حصل في هذه الليالي القريبة من تلك التفجيرات، والتي مات على إثرها خلق كثير، وجُرِحَ آخرون، لا شك أن هذا من أفظع الجرائم، وقد وقع من تلك التفجيرات وفيات وجراحات للآمنين، ولبعض المسلمين الساكنين في تلك البنايات، وذلك بلا شك من الغدر، ومن إيذاء المستأمنين، وإلحاق الضرر بهم، فالذين حصل منهم هذا التفجير يعتبرون مجرمين، واعتقادهم أن هذا جهاد، وأن هؤلاء الساكنين في هذه الأماكن من الكفار، ومن الذين تَحِلُّ دماؤهم بكفرهم! نقول: إن هذا من الخطأ؛ فإنه لا يجوز قتالهم، ولا قتلهم إلا بعد إخبارهم بذلك، ونبذ عهدهم إليهم؛ لقول الله تعالى: وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ فليس قتلهم وهم آمنون من المصلحة، بل إن فيه مفسدة شرعية، وهي اتهام المسلمين بالخيانة والغدر، وأن فيهم إرهابيين بغير حق!

فنقول لمن اعتقد حل دمائهم- لكونهم غزوا بعض البلاد الإسلامية: إن هذا غير صحيح، وأن الذين غزوا بلاد الإسلام غير هؤلاء، فلا يجوز الغدر بهؤلاء الذين لم يحصل منهم قتل ولا قتال، وقد قال الله تعال: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ولا شك أنَّ كل من شارك في هذه العمليات الإجرامية يأثم، ويستحق التعزير، سواء الذي باشر هذا التفجير، أو الذي ساعده بهذه المتفجرات، أو أعان على نقلها لدخولهم في قول الله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وقد نهى الله تعالى عن ظلم الكفار إذا كانوا مستأمنين، فقال تعالى: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وقال تعالى: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا والشنآن هو: البغض والحقد.

فنصيحتنا للشباب المسلمين: ألا يفتحوا علينا وعلى بلاد المسلمين باب فتنة، وأن يرفقوا بإخوانهم المسلمين، وأن يقوموا بما يجب عليهم من الدعوة إلى الله على حَدِّ قوله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فإن هؤلاء الكفار قد يهديهم الله ويسلمون إذا رأوا معاملة المسلمين لهم بالاحترام، وبالرفق بهم والإكرام، فيدخلون في الدين الإسلامي.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نُزِعَ من شيء إلا شانه ولما دخل بعض اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: السَّام عليكم! فقال:" وعليكم "، قالت لهم عائشة بل السَّام عليكم، ولعنكم الله، وغضب عليكم ! أنكر عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: " مهلًا يا عائشة عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش ونصيحتنا لهؤلاء الشباب الذين معهم هذه الحماسة، وهذه الغيرة، نقول لهم: علي رسلكم، اربعوا بأنفسكم، ولا تعجلوا، ولا يحملكم ما ترون أو تسمعون من أعمال الكفار على هذا الاعتداء والظلم، وتعريض إخوانكم وشباب المسلمين للتهم والأضرار، والعذاب الشديد، وتفتحوا بابًا على عباد الله الصالحين باتهامهم، واتهام كل صالح ومتمسك بأنهم متهورون، وأنهم غلاة ومتسرعون، فتعم التهمة للصالحين، وليس ذلك من مصلحة المسلمين.

ونشير على شباب المسلمين أن يُعْلِنُوا البراءة من هذه الأعمال الشنيعة، مع إظهار بغضهم للكفار، ولأعمالهم الشنيعة مع المسلمين، ومع البراءة من موالاة الكفار ومحبتهم، كما نهى الله تعالى عن الموالاة والتولي، الذي يستلزم المحبة ورفع المكانة، لقول الله تعالى: لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ولا يدخل في موالاتهم: استخدامهم، أو عقد العهد معهم لِكَفِّ شرهم، فإن ذلك لا يستلزم محبتهم ومودتهم؛ فإن الله تعالى قطع الموالاة بين المؤمنين وبين الكفار -ولو كانوا أقارب- ولم يُحَرِّمْ تقريبهم لإظهار محاسن الإسلام. فقد ثبت أن بعض الصحابة كانوا يَصِلُون أقاربهم الكفار، فقد أهدى عمر بن الخطاب حُلَّةً لأخيه الكافر، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أسماء بنت أبي بكر أن تصل أمها وهي كافرة لأجل التودد، ولما يحصل بذلك من تَصَوُّرِ الكفار للإسلام، وأنه دين العدل والمساواة، وأنه بعيد من الظلم والجور والعدوان. والله المستعان.


عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين