حكم الاحتفال بالمولد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم
مشاهدات[5514]
موقع سماحة الشيخ بن جبرين-رحمه الله.. حكم الاحتفال بالمولد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن الله تعالى أرسل محمداً بالحق بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فقال الله تعالى: }هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ{ التوبة:33، وقد هدى الله تعالى به من شاء من العباد، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وترك الأمة على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وقد أكمل الله له الدين، وبلغ البلاغ المبين، وأنزل عليه في آخر حياته قوله تعالى: }الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا{ المائدة:3، وهذه الآية واضحة الدلالة على كمال هذا الدين، وعدم الاحتياج فيه إلى إضافة أو زيادة أو تكميل في العبادات والقربات، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" رواه البخاري ومسلم، والمعنى أن كل حدث أو تجديد أو أمر أو إضافة عبادة لم يكن لها أصل في الشرع فإن ذلك مردود على من أحدثه، وليس هو من الدين الإسلامي، ولا يجوز التقرب به مهما كان قصد من اخترعه، ولو استحسنه أكثر الناس في بعض الأزمنة أو الأمكنة، وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته: "إن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" رواه مسلم وغيره عن جابر رضي الله عنه، وذكر أنه كان يقول ذلك في خطبة الجمعة، وفي رواية للنسائي: "وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار".

وقد كثر تحذير العلماء من البدع والمحدثات، وكتب في ذلك جمع من العلماء مؤلفات صغيرة أو كبيرة، ونقلوا الآثار عن السلف في التحذير من بدع شاهدوها أو خافوا على الأمة الوقوع في مثلها، وعدوا من البدع الاحتفال بليلة المولد النبوي، والتي توافق ليلة الثاني عشر من شهر ربيع الأول، حيث إن هذه البدعة حدثت في القرن الرابع من الهجرة، وبعد انقراض عهد السلف والقرون المفضلة، وقد أحدثها قوم من المسلمين، وقلدوا في ذلك النصارى الذين يحتفلون بليلة ميلاد عيسى كما يدعون، فظن هؤلاء الذين أحدثوا هذا الاحتفال أنه عبادة وقربة وطاعة، وأصبح هذا الاحتفال متمكناً منتشراً في كثير من بلاد الإسلام، حيث قلد الجهال علماء بينهم يحسنون بهم الظن، ويرون رفعة مكانتهم وشرفهم.

ولقد تتابع الجهلة على إحياء تلك الليلة طوال أحد عشر قرناً، وألفوا عليها آباءهم، وقالوا بلسان الحال: }إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ{ الزخرف:22، وقد غلوا في إحياء تلك الليلة وجعلوها أهم الليالي، وفضلوها على ليلة القدر، وهكذا سول لهم الشيطان وأملى لهم، مع ما يحصل في تلك الليلة من اختلاط الرجال بالنساء كثيراً، ومن الغلو والإطراء للنبي صلى الله عليه وسلم فيما يقرأونه من الكلمات والمواعظ والخطب فيصفونه بعلم الغيب، وسعة الملك، والتصرف في الكون، مما يحمل الكثير على دعائه مع الله والوقوع في الشرك الذي حرمه الله، والذي يحبط الأعمال، ويخلد أهله في النار، ولو ادعوا أنه توسل واستشفاع، وهكذا يعتقد الكثير أن النبي صلى الله عليه وسلم يحضرهم في ذلك الاجتماع، ويسمع ما يقولونه وما يمدحونه به، رغم تباعد ما بينهم في البلاد.

ولاشك أن هذا العمل بدعة شنعاء، وحادثة صلعاء، لا أساس لها من الدين، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم ما فعله ولا أمر به ولا أقر من فعله، ولم يفعله الخلفاء الراشدون الذين أمر بالاقتداء بهم، ولم يفعله أهل القرون المفضلة، ولا نقل فضله أو جوازه عن أحد من الأئمة الأربعة، ولا أهل الكتب الستة، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، واحتفال النصارى بليلة ميلاد عيسى هو من بدعهم وخرافاتهم، فلا يجوز تقليدهم فيما ابتدعوه، وقد أخبر الله تعالى أنه أكمل لنا ديننا، فالكامل لا يحتاج إلى إضافة أو زيادة، ففعل هذه البدعة فيه اتهام النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لم يبلغ الدين كله، مع قوله تعالى: }يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ{ المائدة:67، وقد شهد له الصحابة رضى الله عنهم بالبيان والبلاغ ، فقال أبو ذر ضي الله عنه: ((توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه إلا ذكر لنا منه علماً))، وقالت اليهود لسلمان رضي الله عنه: ((علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة))، أي آداب التخلي، فقال سلمان: ((نعم))... الخ، كما في صحيح مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: "ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، ويحذرهم عن شر ما يعلمه لهم" رواه مسلم.

ولقد كان الصحابة رضي الله عنهم حريصين أشد الحرص على إتباع النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته، وامتثال ما أمرهم به، وترك ما نهاهم عنه، فلو أمرهم وأشار إليهم إشارة يفهم منها إحياء ليلة ميلاده لبادروا إلى الامتثال، محتسبين في ذلك الأجر والمثوبة، فهم أحرص الناس على الخير، ولو فعلوا ذلك لنقل واشتهر وتواتر العمل به في القرون المفضلة، فلما لم ينقل دل على أنهم لم يعرفوا هذا العمل، ولم يخطر لهم على بال، وإنما أحدثه من بعدهم ممن لا يقتدى بهم، وإذا ادعوا أن ذلك من قوة المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم، فإن محبته تتمثل في اتباعه والسير على نهجه، والعمل بسنته، ثم إن محبته عليه الصلاة والسلام واجبة على المسلمين، بل يجب تقديمها على النفس والأهل والناس أجمعين، وتكون دائمة في جميع الأوقات، فلا يخص وقت من السنة بإظهار هذه المحبة.

وليست ليلة الميلاد أولى بالإحياء من يوم نزول الوحي عليه الذي هو ميزته وأمارة نبوته، حيث نزل عليه أول القرآن، وفيه الأمر بالدعوة إلى الإسلام والتوحيد، والنهي عن الشرك والكفر وفعل الجاهلية الأولى فالرخصة في إحياء ليلة الميلاد قد يدفع آخرين إلى إحياء ليلة نزول الوحي لشرفها، أو ليلة الهجرة النبوية التي اتخذت زمناً للتاريخ الإسلامي، حيث كانت سبباً في ظهور الدين وانتشاره، وكذا ليلة العقبة حيث بايع فيها النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار على الإسلام والنصرة وكذا ليلة وقعة بدر الكبرى الذي هو يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان، وكذا يوم الفتح بصلح الحديبية، ويوم فتح مكة، وغير هذه الأزمنة مما له فضل وخصائص، فلما لم يجز شيء من ذلك دل على أن تخصيص ليلة الميلاد بالإحياء غير جائز، بل يدخل في البدع والمحدثات التي أضافها هؤلاء المبتدعة إلى الدين الإسلامي وهو براء منها وممن أحدثها من الجهلة بالدين، ولا يغتر بكثرة من يفعلها، ولا بمن رأى شرعيتها من بعض العلماء المشاهير من المتأخرين، الذين اغتروا بكثرة من يعملها ويحييها في زمانهم، فحرصوا مجتهدين على تسوغ موقف مشايخهم، فذكروا شيئاً من الشبهات التي يتشبث بها أولئك المبتدعة، واعتبروها نصوصاً شرعية صريحة في هذا العمل كحديث: "ما رآه الناس حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه الناس قبيحاً فهو عند الله قبيح " فيقال: هذا أثر عن ابن مسعود موقوف عليه، ذكره في كشف الخفاء في حرف الميم ولفظه: "إن الله نظر في قلوب العباد فاختار محمداً صلى الله عليه وسلم فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد فاختار له أصحاباً فجعلهم أنصار دينه، ووزراء نبيه، فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح" رواه أحمد في كتاب السنة، ورواه البزار والطيالسي والطبراني وأبو نعيم من قول ابن مسعود، وهو ظاهر أنه أراد بالمسلمين الصحابة الذين اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ولحمل دينه ، وليس فيه إطلاق الناس، وهذه البدعة لم يستحسنها المسلمون كلهم، ولا نقلت عن الصحابة ولا التابعين، فهي داخلة في القبيح والبدعة، حيث لم يعمل بها سلف الأمة ، وأهل السنة في كل زمان ينكرون هذا الاحتفال، وينهون عن مشاهدته، ومن ذلك استدلالهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أعمالهم شيئاً، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً" وهذا الحديث رواه مسلم في كتاب الزكاة في باب الحث على الصدقة، لما جاء قوم من المهاجرين حفاة عراة، فحث النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة حتى قال: "ولو بشق تمرة" فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، ثم تتابع الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سن في الإسلام سنة حسنة" الحديث فعلم أن المراد فتح باب خير للناس، فذلك الأنصاري هو الذي ابتدأ بهذه الصدقة، ثم تتابع الناس بعده، فله أجر صدقته ومثل أجور صدقات من اقتدى به، فكيف يستدل به على عمل لم يشرعه النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه أو خلفائه ، وإنما حدث بعدهم بأكثر من ثلاثمائة سنة، لما استولى بنو عبيد على البلاد الإفريقية، وادعوا أنهم فاطميون ورأوا النصارى يحتفلون كثيراً في تلك البلاد ويحيون ليلة ميلاد عيسى فقلدوهم.

وعلى هذا فإن الواجب على المسلم رد هذه البدعة وإنكارها والعمل بالسنة النبوية، والتمسك بها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " رواه أحمد وأهل السنن، وشرحه ابن رجب في جامع العلوم والحكم، وبين مسمى البدعة في الشرع، فمن تمسك بالسنة النبوية وسيرة خلفائه صلى الله عليه وسلم فهو على سبيل النجاة، وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: ((اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم))، وقال رضي الله عنه: ((من كان مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة))، أولئك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، اختارهم الله لصحبة نبيه، ولحمل دينه، فاعرفوا لهم حقهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.

نسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا إتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، ولا يجعله ملتبساً علينا فنضل، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يرزقنا حبه وحب نبيه وحب من يحبه. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

قاله وأملاه

عبدالله بن عبد الرحمن الجبرين

17/1/1424هـ