الإيمان بالغيب
مشاهدات[555]
موقع سماحة الشيخ بن جبرين-رحمه الله.. الإيمان بالغيب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..

                                                      أما بعــــد ..

   فإن واجب الإنسان أن يصدق بالغيب مما أخبر الله به، أو أخبر به الرسول  صلى الله عليه وسلم ، وسواء أدركته العقول أم قصرت عنه . ويدخل في هذا: الإيمان بما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم من الوقائع التي قد يستبعدها بعض الناس، وكذلك أيضًا ما وقع للأنبياء عليهم السلام قبله ، وكذلك ما أخبر به صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة، وما أخبر به من عذاب البرزخ وأموره، وما أخبر الله به من البعث والنشور، والجزاء على الأعمال، والجنة والنار، وما يكون في يوم القيامة، كل ذلك داخل في الإيمان بالغيب؛ وما ذاك إلا لأنه غائب عن الأنظار، وإنما يُعتمد فيه على الخبر. 
والخبر إذا جاء عن الصادق المصدوق وجب قبوله وتقبله، ولو استبعدته العقول وأحاله من أحاله، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة بل والمسلمين عامة؛ فإن المسلمين الذين صدقوا الرسول  صلى الله عليه وسلم  يلزمهم أن يصدقوه بما أخبر به ، ولو لم تدركه عقولهم ، أما الذين لا يصدقونه مطلقًا ، أو يقبلون بعض ما جاء به فهؤلاء ليسوا حقًّا من أتباعه. 
فمثلاً الفلاسفة الإلهيون، يكذبون بما أخبر الله به من بدء الخلق ، وينكرون أن يكون لهذا الخلق أول ، أو يكون له آخر، فينكرون أن آدم خُلق من تراب، بل يعتقدون أن هذا الجنس من الناس قديم لم يبدأ، ولم يكن له أول، ولم يزل هكذا دائمًا وأبدًا، ليس له مبتدأ وليس له نهاية، وينكرون قيام الساعة، وينكرون بعث الأجساد، وينكرون انقطاع هذا الجنس من الناس ويقولون: هكذا تبقى هذه الدنيا دائمة؛ أرحام تدفع ، وأرض تبلع من غير نهاية، هكذا معتقدهم. 
فكذبوا بما أخبر الله به وبما أخبر به رسوله، وما ذاك إلا أنهم لم تصل معرفتهم إلى الإيمان الصحيح، فوقعوا فيما وقعوا فيه من هذا الشك، وهم مثل من قال الله تعالى فيهم أنهم:  (فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ)  . 

هذا الفرق بين المسلمين وبين الفلاسفة، وهم يقرون بالإله، ويقرون بأن هذا الخلق مخلوق وله خالق مدبر، وإن كان اعترافهم بذلك عن طريق العقل لا عن طريق النقل اعترف بذلك كبيرهم الذي يرجعون إليه والذي يقال له: أرسطو ويسمى عندهم (المعلم الأول)، وله مؤلفات موجودة مطبوعة تباع بأغلى الأثمان مشتملة على هذه العقائد السخيفة، وتبعه من المسلمين أكابر الفلاسفة كابن سينا ومع الأسف لا يزال مقدسًا عند كثير من المنتمين إلى الإسلام، وكذلك الفارابي وسمي عندهم (المعلم الثاني)، وكلهم من غلاة الفلاسفة الذين ينكرون الغيب. 
وهناك طائفة السمنية ذكروا أنهم ينكرون ما لا يدركون بإحدى الحواس، لا يقرون إلا بما أدركوه بحاسة من الحواس الخمس، وهم الذين ناظروا جهمًا في ربه، حيث لقي طائفة من السمنية، فسألوه: هل لك رب؟ قال: نعم, فقالوا له: هل رأيت ربك ؟ قال: لا, قالوا: هل سمعت صوته وكلامه؟ قال: لا, قالوا: مسسته بيديك ؟ قال: لا, قالوا: هل شممت رائحته ؟ قال: لا, قالوا: إذن هو معدوم ، فبقي متحيرًا، ثم إنه تذكر وقال لأحدهم - وهو رئيسهم - هل لك روح؟ أو هل لك عقل؟ فقال: نعم, قال: هل رأيت عقلك أو روحك؟ قال: لا, قال: هل شممته؟ هل مسسته أو ذقته؟ هل سمعته؟ قال: لا, فقال: إذًا ليس لك عقل أو ليس لك روح  , فعند ذلك رجعوا إلى أن يقولوا هذا القول المبتدع، فاعترفوا بالرب ولكنهم وصفوه بصفات لا يثبت معها إله معبود، أو رب معبود.
أما مذهب الحق فهو الإيمان بما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم على الكيفية التي يعلمها –  سبحانه وبحمده-.