تربية الأبناء
مشاهدات[4602]
موقع سماحة الشيخ بن جبرين-رحمه الله.. تربية الأبناء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .. نبينا محمد وعلى آله وصحبه ..                  

                                                               وبعـد ..

  فإن الله سبحانه وتعالى جعل في قلوب الآباء رقة ورحمة لأولادهم؛ ولأجل ذلك فإن الوالدين يسعيان دائما في إراحة الأولاد. من حين يولد الطفل والأب يسعى في إراحته ويكتسب المال ويجمعه ويكدح في جمعه؛ لتأمين معيشة أولاده ولتأمين راحتهم، فيؤمن لهم المعيشة الأكل والشرب واللباس، ويؤمّن لهم السكن والراحة، وما أشبه ذلك؛ لما في قلبه من الرقة والرحمة لهؤلاء الأطفال.

  وإذا كان كذلك؛ فإن الأب عليه أن يحرص على أن يربي أولاده؛ رجاء أن ينفعوه، ورجاء أن يكون له قرة عين؛ ولذلك ذكر الله عن عباد الرحمن : "وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا "  قال عنهم: " وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُن "؛  دعوا الله تعالى أن يجعل من أزواجهم ومن ذريتهم قرة أعين، أي ما تقر به أعينهم؛ فإن الولد إذا كان صالحا فإنه يكون قرة عين لأبويه بحيث يصلح عند تربيتهما له، وكذلك ينفعهما ويخدمهما ويبرهما في حياتهما وبعد مماتهما.

    وهذه بعض الأسباب التي يجب أن يفعلها أبو الأولاد :

فأولا: التلقين في الصغر: إذا عقل وهو ابن سنتين أو ثلاث سنيين، وصار يتكلم، ويسمع، ويعقل، تلقنه معرفة ربه؛ يا بني أو يا ابنتي: من ربك؟ قل: ربي الله. بما عرفت ربك؟ قل: بآياته ومخلوقاته. لأي شيء خلقك الله؟ قل: لعبادته، وهي توحيده وطاعته. ما أول شيء فرض الله عليك؟ قل: الإيمان بالله.

ما دينك يا ابني يا ابنتي؟ قل: ديني الإسلام. ما هو الإسلام؟ قل: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له؛ فإنه إذا عرف ذلك وهو صغير؛ تربى على هذه العقيدة، وأحب أن يتوسع فيها.

    بعد ذلك إذا بلغ سبع سنين؛ فإن عليك أمره بالصلاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم : "مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر". إذا تم سبع سنين فإنك تأمره، فتعلمه الطهارة ونواقض الطهارة، وكذلك أيضا تعلمه الصلاة، وتأخذ بيده إذا كان ذكرا إلى المسجد، وتربيه على محبة المسجد، ومحبة الصلاة. ولعله بذلك يألفها إذا كبر وتهون عليه؛ وذلك لأنه إذا سهلت عليه عبادة الله تعالى بالصلاة؛ أحبها، وأحب بقية أركان الإسلام وألفها وأحب ذكر الله؛ فيكون ذلك سببا في صلاحه.

  وعليك أن تتفقد أصحاب ولدك وجلساءه. يا ولدي، من رفقاؤك ومن جلساؤك؟ ومن أصحابك الذين تذهب معهم، أو تسهر معهم، أو تسافر معهم؟. فإذا كانوا من حملة القرآن، ومن الأولاد الصالحين؛ شجعته على ذلك. وإذا كانوا من الفاسدين والمنحرفين زجرته عن صحبتهم، وأدبته على مقارنتهم، وبينت له سوء مقارنة من فسد، فإن المرء على دين خليله

  جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:  "المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل"، خليله: يعني جليسه، وصديقه. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : "لا تصحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي"، أي لا تصاحب إلا الأتقياء، ولا تقرب إلا أهل التقى، وأهل الإيمان وأهل الصلاح. ويقول: "مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن يعطيك، وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه رائحة طيبة. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة خبيثة". لا شك أن هذا مثل رائع؛ أخبر صلى الله عليه وسلم بأن الجليس السوء يفسد جليسه، يحرقه، يفسد عقيدته، يفسد خلقه.

  وقد جاءت الأدلة من القرآن في النهي عن الجلساء السوء، وعن مقاربتهم، والأمر بالجلساء الصالحين، قال الله تعالى: "وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ "، أي الصالحين والمؤمنين والمتقين لا تطردهم عن مجالستك؛ لأنهم يجالسونك ولأنهم يحبون الفائدة، ويحبون التعلم. وفي آية أخرى قال تعالى: " واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ". يعني اصبر نفسك معهم مع الجلساء الذين يذكرونك إذا نسيت، ويعلمونك إذا جهلت، ويشجعونك إذا تكاسلت، ويأمرونك بما فيه صلاح لك. فهكذا أولادك، إذا كان جلساؤهم صالحين؛ استفادوا من هذه المجالسة أفضل الفوائد.

نسأل الله أن يحفظ أولاد المسلمين وأن يجعلهم قرة عين لوالديهم وأهليهم، وأن يقيهم الفتن ما ظهر منها، وما بطن ..